د. سهير العلي:
هوس التوثيق أبعدهم عن الواقع الاجتماعي
د. علياء رافع:
سرية التواصل الرقمي وراء ضعف المواجهة
د. وسام العلكي:
الموضة لديهم تعبير عن التمرد على العادات التقليدية
الشيخ رياض علي:
الشباب يحتاج للنصيحة والتحلي بخلق الإسلام
جيل Z.. شريحة اجتماعية جديدة بخصائص جديدة، وهو مصطلح أطلقه العديد من الباحثين على الفئة العمرية التي وُلدت بين عامي ١٩٩٧ و٢٠١٢، ويُعد أول جيل رقمي حقيقي، إذ إنهم نشأوا منذ صغرهم معتمدين على وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية، وتتمثل أبرز معالم هذا الجيل في الحصول على فرص العمل من خلال المنصات الرقمية.
ونتيجة هذا الاتصال الرقمي المكثف الذي غرقوا فيه حتى آذانهم، ظهرت لدى هذا الجيل سلوكيات مختلفة عما ألفه آباؤهم، وهي سلوكيات وتصرفات تبدو غريبة أو مفاجئة وغير مفهومة حتى بالنسبة لهم، خاصة عندما تتعارض مع التقاليد أو الأعراف الاجتماعية السابقة، فهو جيل لا يعيش الحياة كما عرفها من سبقوه، بل يعيشها على طريقته وهواه.
"اللواء الإسلامي"، في محاولة منها لسبر أغوار ذلك الجيل، ترصد آراء علماء النفس والاجتماع للبحث عن مفاتيح لفهم مستقبل تتغير ملامحه كل يوم.
تؤكد د. سهير العُلي، مدرس علم النفس بجامعة عين شمس، ارتباط وسائل التواصل الاجتماعي بتشوه الصورة الذهنية عن الحياة الاجتماعية، مما يسبب شعورًا بالضغط النفسي بسبب "الإجهاد المقارن" والحاجة إلى التمثيل المستمر، بالإضافة إلى القلق بشأن "الخوف من تفويت الفرصة". وأبرز العادات الرقمية التي تجمع هذا الجيل هي "هوس التوثيق المستمر"، عبر توثيق كل لحظات حياتهم اليومية، حتى العادية منها، وذلك باستخدام الصور والفيديوهات ومشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي، لافتةً إلى أن هذا الجيل يتفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط كمنصات ترفيهية، بل كأدوات لإدارة الهوية الشخصية، والتعبير عن الذات، وبناء "نسخة مُعاشة" من الحياة على الإنترنت.
وتؤكد د. العلي أن بعض الأبحاث العلمية أشارت إلى أن جيل زد يُقيِّم المحتوى والمعلومات التي يصادفها على الإنترنت بحسب ما يشعر أنه يعبّر عن هويته الاجتماعية المتوقعة، وليس فقط بناءً على ما إذا كانت المعلومات صحيحة موضوعيًا، وهذا يعني أن "التوثيق الرقمي" لدى هذا الجيل ليس مجرد مشاركة عابرة، بل عملية متماسكة لبناء صورة اجتماعية مرغوبة، سواء من خلال الألعاب الإلكترونية أو الحسابات الافتراضية على شبكات التواصل بدلًا من اللقاءات في المجتمع الواقعي، وذلك لأن الإنترنت يوفر جسرًا يعبر من خلاله من يعانون من ظاهرة الخجل الاجتماعي أو القلق من المواجهة وجهًا لوجه. كما أنه جيل ليس مجرد مستخدم لتطبيقات الهواتف الذكية، بل يتحول تدريجيًا إلى جيل يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الذكية لإدارة مختلف جوانب الحياة، من الدراسة والعمل والترفيه إلى الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية.
تناقضات كبيرة
من جانبها توضح د. علياء رافع، أستاذ علم الاجتماع، أن علم الاجتماع ينظر إلى جيل Z على أنه جيل فريد يواجه تحديات وفرصًا كبيرة بسبب نشأته في بيئة رقمية، مما يؤثر على سلوكياته الاجتماعية والسياسية ونظرته للعالم، حيث ترى أن الجيل يظهر تناقضات بين رغبته في الانتماء والجماعية ورغبته في الفردية والتميز، كما أن اهتمامه بالبيئة الرقمية قد يُضعف من قدرته على بناء علاقات اجتماعية متينة. ولكننا في المقابل نجده يمتلك وعيًا سياسيًا واجتماعيًا مبكرًا، بالإضافة إلى مهارة عالية في استخدام التكنولوجيا، وذلك في الموضوعات والمسائل التي تحتاج إلى حشد الدعم وتحويل القضايا التي يواجهها إلى بؤرة الاهتمام العالمي.
وتؤكد أن أهم العقبات التي يواجهها هذا الجيل بسبب اعتماده كليًا على وسائل التواصل الاجتماعي، انفصاله عن المحيطين به، وبالتالي ضعف قدرته على تكوين علاقات اجتماعية واقعية عميقة، مبينةً أنه بسبب الطبيعة السريعة للتواصل الرقمي وقلة التزام البعض بالمواجهة الشخصية المباشرة، أصبحت هذه الظاهرة شائعة إلى حد كبير بين شباب جيل زد؛ إذ إن التواصل الأساسي عبر الرسائل أو التطبيقات، فغالبًا يتركون الطرف الآخر فجأة دون وداع أو توضيح. لافتةً إلى أن علم النفس يوضح لنا هذا النوع من السلوك، وأنه قد يكون انعكاسًا للقلق من المواجهة، أو خوفًا من الإهانة أو الرفض، أو حتى مجرد البحث عن مساحة نفسية دون الرغبة في التفسير أو المحاسبة الشخصية.
وتشير كذلك إلى أن جيل زد لم يكتفِ بتغيير العادات والسلوكيات، بل ابتكر قاموسًا لغويًا جديدًا يعكس طريقته في التفكير ورؤيته للحياة، وأن هذه المصطلحات قد تبدو طريفة أو غامضة لمن هم خارج دائرة هذا الجيل، لكنها بالنسبة لهم أدوات يومية للتواصل.
وسيلة للتعبير
أما د. وسام العلكي، مدرس مساعد الأنثروبولوجيا ببنات عين شمس، فتوضح أن جيل زد لا يتعامل مع "الموضة" بالطريقة التقليدية التي عرفناها؛ فبالنسبة لهم فإن الملابس لم تعد مجرد قطع تُرتدى لستر الجسد أو اتباع خطوط المصممين، بل أصبحت وسيلة قوية للتعبير عن الذات وإعلان الهوية والثقافة الخاصة بهذا الجيل. وأحد أبرز مظاهر هذا الجيل هو المزج بين أنماط متناقضة؛ قد نرى شابًا يرتدي بدلة رسمية مع حذاء رياضي ضخم، أو فتاة تُنسّق فستانًا بسيطًا مع حقيبة صاخبة بالألوان.
هذا المزيج العفوي يحمل رسالة واضحة، وأيضًا انتشار الملابس الواسعة لم يكن مجرد نزعة جمالية، بل هو رفض لمعايير الجسد المثالي التي فرضتها الموضة قديمًا، فجيل زد يفضل الراحة والحرية على الشكل النمطي الضيق. وكذلك فإن نظرتهم للإكسسوارات تتجاوز الوظيفة العملية؛ لذلك نجد الحقيبة الصغيرة جدًا التي لا تكفي حتى للهاتف، أو السلاسل الضخمة، أو الأقراط ذات الأشكال الغريبة، كلها عناصر يستخدمونها لإبراز التفرّد. أيضًا يختفي الخط الفاصل بين ملابس الرجال والنساء، وهذا يعكس وعيهم بأن الموضة فضاء حر لا يخضع للتقليدية. وعلينا ألا نغفل أثر منصات التواصل الاجتماعي في صناعة موجات موضة عابرة؛ فهذه الاتجاهات قد تزدهر لأسابيع قليلة ثم تختفي، لكنها تُظهر سرعة التحول والبحث المستمر عن الجديد.
التمسك بالأخلاق
ويضيف الشيخ رياض علي، أمين لجنة الفتوى، أن الشباب ركيزة المجتمع وطاقته، ولذلك فإن الإسلام يهتم بهذه الفئة العمرية ويرعاها لأنهم عماد المجتمع وأساسه، ويرشدهم في أمور دينهم ودنياهم، ويشمل ذلك تشجيعهم على فعل كل ما هو مفيد لهم ولبلدهم، وحثهم على التمسك بالأخلاق الفاضلة، والسعي في طلب العلم النافع، والجهاد في خدمة الدين والمجتمع، لافتًا إلى أن هذه الفئة جيل فريد يواجه تحديات وفرصًا كبيرة بسبب نشأته في بيئة رقمية، لا بد له من أخذ ما يتناسب مع الدين، مع ضرورة الاستعانة بالله والالتجاء إليه في كل الأمور، صغيرها وكبيرها.
ويؤكد أن ديننا الحنيف يدعو إلى البعد عن كل ما هو مثير للغرائز، ومن ذلك دعوة الشباب إلى غض البصر وحفظ الفرج لحمايتهم من الآفات التي تسببها الانحرافات الخلقية، كما أنه يشجعهم على الزواج. كذلك يحذر الإسلام الشباب من الانحراف وراء التيارات الفكرية الفاسدة التي تدعو إليها وسائل التواصل الاجتماعي وتعمل على ترويجها.
ويشدد الشيخ علي على ضرورة أن يكون هذا الجيل هدفًا مهمًا للدعوة والإصلاح، ولكي تؤتي النصيحة ثمارها ينبغي على من يقدمها أن يكون قدوة حسنة في سلوكه وأخلاقه وسيرته بين الناس، لأن الشباب يرون في صاحبها نموذجًا صالحًا وجديرًا بأن يُحتذى به في السير على نهجه، مؤكدًا كذلك على أن يقوم النصح على ترسيخ حب الله ورسوله في قلوب الشباب، مع تشجيعهم على قراءة القرآن الكريم وتدبره.
كما أنه يجب تجنب تجريح الشباب أو إهانتهم، مع التركيز على الأخطاء التي يرتكبونها، والنصح لهم بما يرضي الله، لأنهم عماد هذه الأمة.
ويؤكد أمين لجنة الفتوى أن النصيحة للشباب وغير الشباب مطلوبة، وخاصة لمن يقومون بتقليد السيئ؛ لأن النصيحة إذا أُهملت تكون النتيجة غلبة الهوى على النفوس، بالإضافة إلى حب الدنيا والسعي إلى إشباع الشهوات. ولهذا شرع الله التذكير ودعا إليه، فقال سبحانه:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾،
وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾،
وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.



